ابن عابدين
499
حاشية رد المحتار
لموكله بأي وجه أمكن ، ولهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل بصورة الحق ، فإذا أخذ الفتوى قهر خصمه ووصل إلى غرضه الفاسد ، فلا يحل للمفتي أن يعينه على ضلاله ، وقد قالوا : من جهل بأهل زمانه فهو جاهل ، وقد يسأل عن أمر شرعي وتدل القرائن للمفتي المتيقظ أن مراده التوصل به إلى غرض فاسد كما شهدناه كثيرا . والحاصل : أن غفلة المفتي يلزم منها ضرر عظيم في هذا الزمان ، والله تعالى المستعان . قوله : ( لا حريته الخ ) أي فهو كالراوي لا كالشاهد والقاضي ، ولذا تصح فتواه لمن لا تقبل شهادته له . قوله : ( فيصح إفتاء الأخرس ) أي حيث فهمت إشارته ، بل يجوز أن يعمل بإشارة الناطق كما في الهندية . وأفاده عموم قول المصنف ويكتفي بالإشارة منه ط . قوله : ( فالأصح الصحة ) لأنه يفرق بين المدعي والمدعى عليه ، وقيل لا يجوز ، لأنه لا يسمع الاقرار فيضيع حقوق الناس ، بخلاف الأصم ، وهكذا فصل شارح الوهبانية ، وينبغي أن الحكم كذلك في المفتي . فإن قلت : قد يفرق بينهما ، بأن المفتي يقرأ صورة الاستفتاء ويكتب جوابه ، فلا يحتاج إلى سماع . قلت : الظاهر من كلامهم عدم الاكتفاء بهذا في القاضي ، مع أنه يمكن أن يكتب له جواب الخصمين فكذا في المفتي ، ويمكن الفرق بأن القضاء لا بد له من صيغة مخصوصة بعد دعوى صحيحة فيحتاط فيه ، بخلاف الافتاء فإنه إفادة الحكم الشرعي ولو بالإشارة فلا يشترط فيه السماع ا ه منح ملخصا . قلت : لا شك أنه إذا كتب له وأجاب عنه جاز العمل بفتواه ، وأما إذا كان منصوبا للفتوى يأتيه عامة الناس ويسألونه من نساء وأعراب وغيرهم ، فلا بد أن يكون صحيح السمع ، لأنه لا يمكن كل سائل أن يكتب له سؤاله ، وقد يحضر إليه الخصمان ويتكلم أحدهما بما يكون فيه الحق عليه لا له والمفتي لم يسمع ذلك منه فيفتيه على ما سمع من بعض كلامه فيضيع حق خصمه ، وهذا قد شاهدته كثيرا فلا ينبغي التردد في أنه لا يصلح أن يكون مفتيا عاما ينتظر القاضي جوابه ليحكم به ، فإن ضرر مثل هذا أعظم من نفعه ، والله سبحانه أعلم . مطلب : يفتى بقول الامام على الاطلاق قوله : ( ويفتي القاضي الخ ) في الظهيرية : ولا بأس للقاضي أن يفتي من لم يخاصم إليه ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصم إليه ا ه بحر . وفي الخلاصة : القاضي هل يفتي ؟ فيه أقاويل ، والصحيح أنه لا بأس به في مجلس القضاء وغيره في الديانات والمعاملات ا ه . ويمكن حمله على من لم يخاصم إليه فيوافق ما في الظهيرية ومن ثم عولنا عليه في هذا المختصر . منح . وقد جمع الشارح بين العبارتين بهذا الحمل . وفي كافي الحاكم : وأكره للقاضي أن يفتي في القضاء للخصوم كراهة أن يعلم خصمه قوله : فيتحرز منه بالباطل ا ه . قوله : ( وسيتضح ) لعله أراد به مسألة التسوية . تأمل .